ابن تيمية
197
دقائق التفسير
القرآن كالبيت الخرب وأمثال ذلك وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال الله في صدورنا وأجوافنا ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأن من قال القرآن في صدورنا فقد قال بقول النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة أي جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وهذه الرابعة اشتد نكيره لذلك وقال هذا أعظم من الجهمية وهو كما قال فإن الجهمية ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن في الصدور ولا يشبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من هو في غاية الضلالة والجهالة فإن النصارى يقولون الأب والابن وروح القدس إله واحد وإن الكلمة التي هي اللاهوت تدرعت الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق ولهذا كانوا يقولون إن الله هو المسيح ابن مريم ويقولون المسيح ابن الله ولهذا كانوا متناقضين فإن الذي تدرع المسيح إن كان هو الإله الجامع للأقانيم فهو الأب نفسه وإن كان هو صفة من صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها والمسيح عندهم إله ولو قال النصارى إن كلام الله في صدر المسيح كما هو في صدور سائر الأنبياء والمؤمنين لم يكن في قولهم ما ينكر فالحلولية المشهورون بهذا الاسم من يقول بحلول الله في البشر كما قالت النصارى والغالية من الرافضة وغلاة أتباع المشايخ أو يقولون بحلوله في كل شيء كما قالت الجهمية أنه بذاته في كل مكان وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره أو قال باتحاده بالمخلوقات كلها أو قال وجوده وجود المخلوقات أو غير ذلك فاما قول القائل إن كلام الله في قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وإن الرسل بلغت كلام الله والذي بلغته هو كلام الله وإن الكلام في الصحيفة ونحو ذلك فهذا لا يسمى حلولا ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقائق وقد تقدم أن ذلك لا يقتضي مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره فكيف صفة الخالق تبارك وتعالى ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس في إثبات لفظ الحلول ونفيه عنه هل يقال إن كلام الله حال في المصحف أو حال في الصدور وهل يقال كلام الناس المكتوب حال في المصحف أو حال في قلوب